صديق الحسيني القنوجي البخاري
122
فتح البيان في مقاصد القرآن
ليشكروا اللّه ولا يتمادوا في كفرهم ، ومعنى ظاهِرِينَ الظهور على الناس ، والغلبة لهم ، والاستعلاء عليهم فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر . فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا أي من يمنعنا من عذابه ويحول بيننا وبينه عند مجيئه ، وفي هذا تحذير منه لهم من نقمة اللّه بهم ، وإنزال عذابه عليهم ، وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض لهم خاصة ، ونظم نفسه في سلكهم فيما يهمهم من مجيء بأس اللّه تطييبا لقلوبهم ، وإيذانا بأنه مناصح ساع في تحصيل ما يجديهم ، ودفع ما يرديهم ، ليتأثروا بنصحه ؛ فلما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح الصحيح جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة والرعاية بمكان مكين ، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكا يكون فيه جلب النفع لهم ، ودفع الضر عنهم ولهذا : قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى أي ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي ، قاله ابن زيد ، وهذا تفسير لمآل المعنى ، والتفسير المطابق لجوهر اللفظ ما قال الضحاك ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب ، وهو قتل موسى والرؤية هنا هي القلبية الاعتقادية ، لا البصرية العينية ، فتعدى لمفعولين ثانيهما إلا ما أرى . وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ أي ما أهديكم ولا أدعوكم بهذا الرأي إلا إلى طريق الحق والهدى ، قرأ الجمهور بتخفيف الشين ، وقرأ معاذ بن جبل - رضي اللّه تعالى عنه - بتشديدها على أنها صيغة مبالغة كضراب ، قال النحاس : هي لحن ولا وجه لذلك . ثم كرر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم ، وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم فقال اللّه حاكيا عنه : وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ أي مثل يوم عذاب الأمم الماضية الذين تحزبوا على أنبيائهم ، وأفرد اليوم لأن جمع الأحزاب قد أغنى عن جمعه ، والأحزاب لم ينزل بها العذاب في يوم واحد ، بل نزل بها في الدنيا في أيام مختلفة مترتبة ثم فسر الأحزاب فقال : مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي مثل حالهم في العذاب ، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب ، أو مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب . وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ أي لا يعذبهم ولا يعاقبهم بغير ذنب ، ولا يترك الظالم منهم بغير انتقام ، أو لا يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب أو لا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم ، ونفي الإرادة للظلم يستلزم نفي الظلم بفحوى الخطاب وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعبد ، لأن أهل اللغة قالوا إذا قال الرجل لآخر لا أريد ظلما لك ، معناه لا أريد أن أظلمك ثم زاد الرجل المؤمن في الوعظ والتذكير فقال :